تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

كلمة رئيس مجلس الأمناء

كلمة رئيس مجلس الأمناء

كلمة قداسة سيدنا البطريرك

مار إغناطيوس أفرام الثاني

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم

في افتتاح جامعة إنطاكية السورية الخاصة

معرة صيدنايا – 6 تشرين الثاني 2018

 

 

السيّد راعي الاحتفال معالي وزير التعليم العالي الدكتور عاطف النداف 

أيّها الحضور الكريم

 

ܢܦܫܐ ܕܢܦܫܐ ܝܘܠܦܢܐ ܗ̱ܘ܆ ܕܡܢܗ ܩܢܝܐ ܚܝܘܬܐ:

ܒܗ ܓܝܪ ܚܙܝܐ ܠܐܠܗܐ܆ ܕܗܘܝܘ ܚܝ̈ܐ ܕܒܪܝܬܐ܀

العلم هو بمثابة النفس للنفس، إذ منه تقتني الحياة،

فمن خلاله ترى الله، الذي هو حياة الكون.

 

بهذه المعاني العميقة، يصف القديس الفيلسوف الناسك مار إسحاق السرياني العلم، وذلك لما للعلم من أهمية في حياة الأفراد والشعوب. وهو يرى العلم الوسيلة الأهم للوصول إلى الحياة الحقيقية التي هي معرفة الله. ولا بد لكلّ فرع من فروع العلم والمعرفة أن يهدف إلى رفعة الإنسان وتحسين ظروف حياته وبلوغه إلى غايته الأسمى وهي أن يقترب من ربّه ومصدر حياته. 

من هنا، جاء اهتمام الأمم بالتعليم والتثقيف. فأنشئت دور العلم والجامعات منذ أقدم العصور لنقل العلم والمعرفة إلى كلّ الأجيال. وكان للسريان – وهم السكان الأصليون لهذه البلاد الممتدّة من أعالي ما بين النهرين شمالًا إلى تخوم شبه جزيرة العرب جنوبًا ومن أطراف فارس شرقًا إلى شواطئ البحر المتوسط غربًا – كان للسريان السبق في تأسيس المدارس ودور العلم في حقبة ما قبل المسيحية. ومن ثمّ أصبح كلّ دير مركزًا للعلم والمعرفة، خاصةً وأنّ آباءنا هم من استنبطوا الأبجدية الأولى. وهكذا قامت جامعات في كثير من الحواضر السريانية التاريخية تنقل أنواع العلم والمعرفة كجامعات نصيبين والرها وقنّشرين وأنطاكية. 

 

كانت مدينة أنطاكية عاصمة لسوريا في الحقبة الرومانية. ولكنها أصبحت عاصمة روحية لمجمل مسيحيّي المشرق أنّى وُجدوا، وهم ينسبون تراثهم الروحي إلى تلك المدينة التي فيها أُطلق للمرة الأولى اسم المسيحيين على أتباع السيّد المسيح. فانتزعت لنفسها مكاناً في قلب كلّ مشرقي وعبرت حدود الجغرافية لتصبح أنطاكية جزءًا لا يتجزّأ منّا ومن هويتنا الروحية والوجدانية. وفيها قامت مدرسة فلسفية لاهوتية كبيرة لعبت دورًا مهمًّا في تطوّر الفكر المسيحي في العصور الأولى، وما زال تأثيرها حاضرًا في حياة وفكر الكثير من الكنائس المشرقية. 

 

واليوم، بافتتاح جامعة أنطاكية السورية الخاصة إنّما ننسج على منوال آبائنا الميامين، ونرفع من جديد شعلة التعليم الجامعي، وذلك بعد أن أقمنا المدارس الابتدائية والثانوية إلى جانب معظم دور عبادتنا في سوريا والعراق ولبنان، على أثر استقرار الناجين من مذابح الإبادة "سيفو" منذ ما يقارب المائة عام.

 

اليوم، يتحقّق حلمٌ راود أجيالًا من الآباء الروحيّين والمدنيّين من شعبنا السرياني، وعلى رأسهم المثلث الرحمات سلفنا الطيب الذكر البطريرك مار إغناطيوس زكّا الأوّل الذي سعى جاهدًا لتحقيق هذه الأمنية منذ عام ٢٠٠٧ وحتّى انتقاله من هذه الفانية. إلى روحه الطيبة نزفّ هذا الحدث التاريخي عربون تقدير وشكر لجهوده الكبيرة في هذا المضمار. 

 

أيّها الحضور الكريم، 

ما كان لهذا الحدث الكبير أن يتحقّق لولا تعب وسعي عدد كبير من المحبّين والأصدقاء الذين لم يوفّروا جهدًا في دعم مسيرة إنشاء الجامعة: منهم مَن هو حاضر بيننا ومنهم مَن هو غائب، ولهم منّا جميعًا الشكر الجزيل والتقدير الجمّ. نخصّ بالشكر صديقنا العزيز وراعي احتفالنا هذا، معالي وزير التعليم العالي الأستاذ الدكتور عاطف النداف الذي لم يتردّد في تقديم المساعدة الممكنة. فله منّا كلّ الشكر والامتنان وكذلك للعاملين مع معاليه في وزارة التعليم العالي. 

 

أمّا مَن يستحقّ أسمى آيات الشكر والعرفان، فهو رئيس الجمهورية العربية السورية سيادة الدكتور بشار الأسد الذي أولى اهتمامًا كبيرًا بإنشاء هذه الجامعة، وجعلنا نشعر أنّه مشروعه، فكان يشجّعنا على الدوام ويذلّل كلّ الصعوبات التي كانت تعترضنا. إنّ لساننا لَعاجز عن التعبير عن محبّتنا وتقديرنا لكلّ الدعم الذي قدّمه لنا. ولكنّنا نعاهده على أن نجعل من هذه الجامعة الفتيّة مفخرةً للأجيال ومَعلَمًا سوريًّا يُشار إليه بالبَنان. كما نصلّي أن يمتّعه الله وعائلتَه الكريمة بالصحة والعافية ويبقيه لسوريا ذخرًا يقود عملية إعادة بناء وطننا وتحقيق أمنيات شعبنا بالسلام والاستقرار والازدهار كما كان قائدًا في عملية تحرير بلادنا من الإرهاب والاستكبار.

 

أيّها الحضور الكريم، 

إن إصرارنا على إنشاء جامعة أنطاكية السورية الخاصة لا يعكس رغبة منا في إضافة جامعة خاصة جديدة إلى الجامعات الإثنتين والعشرين الخاصة في سوريا – والتي نقدّرها كلّها ونتمنّى لها النجاح في أداء رسالتها السامية – وإنّما إيمانًا منّا بأنّنا أصحاب رسالة يجب أن نضعها بخدمة أبنائنا وبناتنا من الطلبة الذين عليهم تُبنى الآمال برفعة وتقدّم هذا الوطن العزيز. 

 

جامعة أنطاكية نريدها صرحاً تعليميًّا تثقيفيًّا وطنيًّا بامتياز، تستقبل أبناء سوريا من كلّ المكوّنات والانتماءات بدون أيّ تمييز، كما تستقطب طلابًا من دول الجوار إذا ما وفّقنا الله في رفع مستوى التعليم فتمثّل منافسًا جدّيًا للجامعات الناجحة في منطقتنا. 

 

نريدها مشاركًا فاعلًا في عملية تطوير التعليم الجامعي في سوريا من خلال التعاون الجادّ مع الجامعات الحكوميّة والخاصة في سوريا، من أجل رفع مستوى التعليم فيها على مختلف الأصعدة. 

 

نريدها مركزًا مهمًّا للبحث العلمي ولعقد المؤتمرات المتخصّصة وورشات العمل المتميّزة من خلال دعوة أساتذة زائرين وباحثين أكاديميين يقدّمون آخر نتاجهم الفكري والعلمي للطلبة. 

 

نريدها جامعةً تقدّم أفضل الفرص لطلابها من حيث قبول شهاداتهم واستكمال دراساتهم في جامعات عالمية مرموقة وذلك من خلال عَقد اتّفاقيات التعاون والشراكة مع جامعات عالمية. وبالفعل، بدأنا بهذا الصدد علاقة مميّزة مع جامعة King's College في لندن – وهي من أعرق الجامعات في المملكة المتحدة – وذلك خلال ورشة عمل مشتركة عُقدت منذ عشرة أيّام في مقرّ الجامعة في لندن، على أن تُقام ورشة عمل ثانية في الجامعة الأميركية في بيروت بعد أقلّ من شهر من اليوم، وورشة عمل ثالثة مشتركة بين الجامعتَيْن تُقام في جامعة "نيو جيزا" في القاهرة في نهاية شهر كانون الثاني القادم. وأملنا أن تتجاوز هذه العلاقة ورشات العمل الثلاث لتصبح شراكة عميقة تمتدّ لعقود من الزمن.

ولكم أحبّائي، الدفعة الأولى من طلبة جامعة أنطاكية السورية الخاصة، أقول: إنّنا لن نبخل بأيّ جهد من أجل أن نوفّر لكم كلّ أسباب النجاح والتفوّق في دراساتكم، لكي يصبح كلّ واحد منكم ناطقًا باسم جامعة أنطاكية، يتحلّى بقيمها وينشر مبادئها، فتفتخرون بانتمائكم إليها. 

 

باسمي وباسم شركة رنيو المالكة لجامعة أنطاكية السورية الخاصة، اسمحوا لي أن أشكركم جميعًا على حضوركم هذا اليوم التاريخي وبخاصة مَن تجشّم عناء السفر من لندن ولبنان ومختلف محافظات القطر ليشاركنا هذه الفرحة وهذا الحدث الفريد. وفقنا الله جميعًا لما فيه خير بلدنا وشعبنا.